قانون اون لاين دخول

تعرف على التشريعات بأحدث التعديلات بخصوص الأحكام القضائية والاراء الفقهية القانونية


شاطر

description الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي

more_horiz




الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي دراسة قانونية مقارنة

مؤلـــف البحث
:
د. أحمد أبو شنب


إسم المجلة: مؤتة للبحوث والدراسات نوع المجلة: سنوية رقم العدد : 4 رقم الصفحة: 37 الدولة : المملكة الأردنية الهاشمية



د.أحمد عبد الكريم أبو شنب

ملخص

إن هذا البحث، يسلط الأضواء على أساس المسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الأردني، إذ نجد أن نقطة البدء فيه، تنطلق من نظرية المباشرة والتسبب المكرسة في الفقه الإسلامي، التي دخلت في أحكام القانون المدني الأردني نفسه، ولقد تبين لنا أنه بالاعتماد على هذه النظرية، نستطيع القول إن المسؤولية عن فعل الشيء في حالة ما إذا كان فعل الشيء الضار، هو من قبيل المباشرة بالنسبة إلى حارسه، إهنما تقوم على أساس تعد مفترض قابل لإثبات العكس، في حين أنها في إطار القانون الفرنسي والقوانين العربية التي نهلت عنه، إنما تقوم كقاعدة عامة على خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس، وهذا ما قادنا إلى نتائج قانونية هامة، وضعناها في خاتمة البحث .

ABSTRACT

This study aims at aexamining the ****s of responsibility for committing an act by dioscussing the concept of rothirightly and obliquity in Islamic Law, which are aopted by the Jordanian Civil Law. The study verifies that in the case of forthrightly, responsibility to the contrary relies on the assumed trespass, but the guard ois allowed to prove to the opposite. To the contrary, the victim bears a duty of proof in the case of obliquity. In the French Civil Law, responsibility relies on the assumed fault, which is not allowed to prove to the opposite.



مقدمة

تمثل المسؤولية عن فعل الشيء أهمية بالغة على الصعيد القانوني في عالمنا المعاصر، وذلك بسبب الاستخدام المتعاظم للآلة. ذلك أنه وإن كان التوسع في استخدام الآلة قد جلب النفع وحقق الرفاهية للبشرية، لكنه من الناحية الأخرى يوقع أضراراً بالناس على نطاق واسع سواء في أجسادهم أم في ممتلكاتهم .

ويضاف إلى ذلك أن انتشار البناء والعمران، وتزايد حاجة المجتمع باستمرار إلى مزيد من البناء لتغطية حاجة الإنسان إلى المسكن أو حاجة المجتمع إلى المرافق، هو ما يسبب أضراراً للأفراد في بعض الأحيان فيما لو إنهار البناء كلياً أو جزئياً، هذا فضلاً على توسع الإنسان في تربية الحيوان وما يجرّه ذلك من أضرار توقعها الحيوانات بالغير.

لقد وجد علماء القانون في أوروبا ولا سيما في فرنسا أن الاستناد على الأساس التقليدي للمسؤولية المدنية والمتمثل بخطأ واجب الإثبات، يؤدي إلى ضياع حقوق المتضررين من فعل الآلة، كلما عجز هؤلاء عن إثبات خطأ صادر عن حارس الآلة التي أحدثت الضرر بهم .
ولقد دلّت القضايا المنظورة أمام القضاء أن هناك حالات كثيرة يعجز فيها المتضررون عن إثبات خطأ حارس الآلة، مما يعني تحملهم لضرر دون ذنب جنوه، وهو ما يخلّ بالعدالة حتماً، ومن هنا فقد تطوّر الأمر هناك إلى حد ترجيح إقامة مسؤولية حارس الآلة على خطأ مفترض افتراضاً لا يقبل إثبات العكس، بمعنى أنه لا يقبل من حارس الآلة إثبات أنه لم يخطئ عندما أحدثت الآلة محلّ حراسته ضرراً بالغير، فإذا أحدثت الآلة ضرراً بالغير فهذا مؤداه أن حارسها مخطئ حكماً، ولا يستطيع أن يتنصل من المسؤولية إلا بإثبات السبب الأجنبي، وبهذا الحل القانوني أخذت أيضا العديد من القوانين العربية كالقانون المصري والقانون اللبناني والقانوني السوري، فإذا ما انتقلنا إلى الأردن، فإننا نجد أن المشرع الأردني هو الآخر قد أقام مسؤولية حارس الآلات الميكانيكية على تعدٍ مفترض، لكنّ المشرع الأردني خالف ما ترجّح بهذا الصدد في فرنسا والدول العربية التي أخذت عنها، من حيث إقامته لهذه المسؤولية على تعد مفترض قابل لإثبات العكس ، بمعنى أن يكون من حق حارس الآلة أن يثبت أنه بذل العناية اللازمة للحيلولة دون إحداث آلته ضرراً بالغير، فإذا نجح في ذلك، لم يتحمل مسؤولية ذلك الضرر، وحقيقة الأمر أن الحلّ القانوني الذي أخذ به المشرع الأردني هو مما يتوافق مع ما هو مستقر في الفقه الإسلامي من أنه لا تكليف إلا بمقدور، بمعنى أن الإنسان لا يسأل إلا إذا كان الفعل الحادث كان ضمن طاقته وفي وسعه الحيلولة دون حدوثه، فإذا بذل كل ما يستطيع لمنع حدوثه لكنه لم يفلح انتفت مسؤوليته. وبذلك فإن قاعدة "لا تكليف إلا بمقدور" المقررة في الفقه الإسلامي هي أعمّ من قاعدة "لا تكليف بمستحيل" المقررة في القوانين الوضعيّة.
إن هذا البحث هو محاولة نقوم بها لسدّ فراغ في الدراسات القانونية الأردنية التي نادراً ما تعرضت للأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الأردني، وحتى لو تعرّضت فإنما تتعرض له بشكل سطحي لا يثري المعرفة القانونية في هذا البلد، وفضلاً عن ذلك، فإن من يبحث في القانون المدني الأردني يتوجب عليه أن يبحث أيضاً في الفقه الإسلامي باعتباره المصدر التاريخي للقانون المدني الأردني، هذا عدا ما يحتويه هذا الفقه من نظريات وتطبيقات قانونية تصلح أساساً لحلّ الكثير من المشاكل القانونية المعاصرة بعدالة ومعقولية. كما إننا وإثراءً للموضوع سنجعل دراستنا دراسة مقارنة مع ما هو مستقر في الفقه القانوني الفرنسي والقوانين العربية التي نهلت عنه .
إن أهمية بحثنا في هذا الموضوع لا تخفى على المتخصص في القانون، ذلك إننا باستجلائنا للأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء نحدد الجهة التي نفترض خطأها أو تعدّيها، وكذلك ما إذا كان يحق لهذه الجهة أن تدفع عن نفسها المسؤولية بإثبات عدم خطئها (أو تعدّيها) أم لا، وعلى هذا فسوف نبحث في مبحث أول في الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في القانون المقارن، ثم في مبحث ثانٍ في الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في الفقه الإسلامي، ثم في مبحث ثالث نبحث في الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الأردني.

descriptionرد: الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي

more_horiz
المبحث الأول
الأساس القانوني لنظرية المسؤولية عن فعل الشيء في القانون المقارن

إن المسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الفرنسي – حسبما خلص إليه الاجتهاد في ذلك البلد – وفي القوانين العربية التي استمدت أحكامها منه، قد استقرت على أساس تحميل حارس الشيء مسؤولية الضرر الذي يحدث بفعل الشيء محل الحراسة للغير، دون أن يكون من حق الحارس إثبات انتفاء خطئه وصولاً إلى دفع المسؤولية عنه، وذلك خلافاً للقواعد العامة في المسؤولية السائدة في هذه القوانين، التي توجب على المتضرر إثبات خطأ مرتكب الفعل الضار، وتعطي لهذا الأخير الحق في إثبات انتفاء صدور خطأ من جانبه لكي يدرأ عن نفسه المسؤولية، ومن هنا فقد قامت في إطار المسؤولية عن فعل الشيء حسبما استقرت عليه نظريات قانونية تحاول أن تجد أساساً لهذه المسؤولية ، إذ يلاحظ الباحث أن بعض هذه النظريات بقي متمسكاً بفكرة الخطأ، وإن جعله خطأ مفروضاً لا يقبل إثبات العكس، وبعضهم الآخر أخذ بمبدأ تحمل تبعة الشيء، ثم هناك من يقول أيضاً بنظرية الضمان أساساً لهذه النظرية.

المطلب الأول : نظرية الخطأ

تستند هذه النظرية إلى الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية المدنية بكافة صورها، ألا وهو الخطأ، وعلى ذلك فحسب هذه النظرية، فإن الخطأ يبقى هو مناط المسؤولية المدنية سواء كان مصدر هذه المسؤولية هو فعل الشخص أو فعل الشيء إلا أن الخطأ في إطار المسؤولية عن فعل الشيء – حسب هذه النظرية – هو خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس، "فلا يجوز إذن أن ينفي الخطأ عن نفسه بأن يثبت أنه، لم يرتكب خطأ أو أنه قام بما ينبغي من العناية حتى لا يفلت زمام الشيء من يده"(1)، ويوضح الدكتور السنهوري ذلك بالقول : "بأن الخطأ الذي قامت عليه مسؤولية حارس الشيء هو خطأ في الحراسة، والأصل في ذلك أن كل حارس يلتزم قانوناً بأن لا يجعل زمام الشيء يفلت من يده حتى لا يصاب أحد بضرر، وهذا الالتزام هو التزام بتحقيق غاية لا التزام ببذل عناية، فإذا أفلت زمام الشيء من يد حارسه، فقد وقع الخطأ ولا سبيل بعد ذلك لى نفيه بإثبات العكس"(2).وبهذا المعنى قررت محكمة النقض المصرية : "بأن هذه المسؤولية لا تدرأ عن الحارس بإثبات أنه لم يرتكب خطأ ما، وأنه قام بما ينبغي من العناية والحيطة، حتى لا يقع الضرر من الشيء الذي في حراسته، وإنما ترتفع هذه المسؤولية، إذا أثبت الحارس أن وقوع الضرر كان سببب أجنبي لا يد له فيه، بأن كان الفعل خارجاً عن الشيء فلا يكون متصلاً بداخليته أو تكوينه، فإذا كان الضرر راجعاً إلى عيب في الشيء فإنه لا يعتبر ناشئاً عن سبب أجنبي ولو كان العيب خفياً، وهذا السبب لا يكون إلا قوة قاهرة أو خطأ المضرور أو خطأ الغير"(3).
لكن هذه النظرية لم تسلم من النقد، "فذهب البعض إلى تصوير مثل هذا الخطأ بأنه أقرب إلى التخيل منه إلى الحقيقة، إذ هو وهمي ألصق بالحارس اصطناعاً، فيكون مبدأ الخطأ المفترض أساساً للمسؤولية عن فعل الشيء تركيباً لفظياً ينقصه المدلول القانوني الذي يقوم بالوجه البين غير الملتبس، فالمسؤولية تترتب على الحارس بمجرد أن يكون للشيء دور فاعل في الحادث دونما اعتبار لسلوك الحارس ودوافعه أو لعيب في الشيء العائد له، وفي الواقع ليس من مجال للقول بمسؤولية مبنية على خطأ مفترض في جانب الحارس إذ لا يمكن أن تقوم المسؤولية على مثل هذا الافتراض، وهي التي لا تزول وإن بقي سبب بالحادث مجهولاً أو كان سلوك الحارس سوياً، ما دام أن الشيء تدخل في الضرر فكان تدخله إيجابياً"(4).

المطلب الثاني : نظرية تحمل التبعة أو المخاطر

إن النقد الذي وجه إلى نظرية الخطأ، بل وتوسع القضاء والفقه الفرنسيين في تجاوز الأصل في ترتيب المسؤولية والمتمثل بالخطأ الواجب الإثبات. والتوسع بالتالي توسعاً كبيراً في الأخذ بالخطأ المفترض، قد "حدا ببعض الفقه إلى أن يتساءل عما بقي من الأساس التقليدي للمسؤولية (الخطأ) إذ لا يكاد يشعر الإنسان بفرق بين مسؤولية لا تستند إلى خطأ أصلاً ومسؤولية تستند إلى خطأ مفروض، لا سيما إذا كان يمتنع على المسؤول إثبات عكسه، هذا زيادة على العلة الرئيسية، ألا وهي تعذر إقامة الدليل على خطأ المسؤول بعد ازدهار المنشآت الصناعية وتقدم وسائل النقل الحديث، ولذا فقد بدا ذلك بعضهم ومنذ أواخر القرن التاسع عشر في مهاجمة الخطأ كأساس للمسؤولية والدعوة إلى أساس جديد يوائم روح العصر الذي نعيش فيه وهو ما يسمى "الخطر المستحدث" أو تحمل "التبعة" ومؤدى هذا الأساس أنه ما دام الإنسان يستفيد من نشاطه الاقتصادي فعليه تبعة ما يحدثه لغيره من أضرار بغير حاجة للبحث عما إذا كان هناك خطأ في جانبه أم لا... فحتى إذا لم يقع خطأ أصلاً من جانب المسؤول أليس من العدل أن لا نضحي بالمصاب وإن تحمّل صاحبة التبعة، وقد خلصت له مغانمه كأنها نتيجة ما وقع"(5)، "وظهرت هذه النظرية أول الأمر بمناسبة إصابات العمل تحت تأثير الرغبة في تسهيل حصول العمال الذين يصابون في أثناء تأدية عملهم على تعويض مناسب.... وهي تتلخّص في أن رب العمل يجب أن يعوض العمال عن إصابتهم بقطع النظر عن وقوع خطأ منه، لأن المصنع الذي أنشأه إنما يعود عليه ربحه ولأن إصابات العمل هي من المخاطر الملازمة لإنشاء المشروعات الصناعية وغيرها، فيجب أن يتحمل رب العمل نتائج هذه الإصابات لأن الغرم بالغنم ،ولأن هذه النظرية تؤسس المسؤولية على مجرد وقوع ضرر وعلى ضرورة إلقاء تبعة هذا الضرر على من تسبب فيه دون نظر إلى مسلك هذا الأخير أو إلى قصده، فقد سميت بنظرية المسؤولية الشيئية أو الموضوعية بالمقابلة للنظرية التقليدية التي تقيم المسؤولية على أساس مسلك الفاعل الشخصي، وهي المعروفة بنظرية المسؤولية الشخصية"(6) "ولكن رغم هذه الحجج وغيرها، فإن الرأي السائد في الفقه لا يزال يرى المسؤولية مسؤولية شخصية، قوامها الخطأ الشخصي ثابتاً كان أو مفروضاً، ويرفض التسليم بهذه المسؤولية المادية لمخالفتها لروح التشريع الذي يبدو من نصوصه تطلب الخطأ الشخصي، كما أن الفكرة التي تقوم عليها فكرة غامضة ينقصها التحديد، فوق ما تؤدي إليه من زيادة قضايا المسؤولية زيادة قد يخشى منها على النظام الاجتماعي ذاته، ولأن من شأن الأخذ بها قتل العزيمة وروح الإقدام"(7).
وفضلاً على ذلك فقد "لوحظ على هذا الرأي أنه لو كان صحيحاً، لوجب أن يكون المسؤول هو المنتفع بالشيء لا حارسه، ولما أمكن دفع هذه المسؤولية بنفي علاقة السببية أي بإقامة الدليل على وجوب السبب الأجنبي"(Cool.ولكن لا بد من التسليم أن القوانين الوضعية قد أخذت بقدر من هذه النظرية، كما هو الشأن في قانون إصابات العمل الفرنسي الصادر عام 1898، والقانون الفرنسي الصادر عام 1985 "بشأن تحسين حالة المصابين في حوادث المرور التي تقع بفعل السيارات، فكفل لهم القانون تعويضاً كاملاً عن الأضرار الجسمية ولو كان هذا السبب خطأ المصاب نفسه"(9). بل ونجد مثل ذلك في القانون الأردني أيضاً، كما هو الحال فيما فرضه قانون العمل رقم 8 لسنة 1996.على صاحب العمل من دفع مبالغ جزافية محددة في حالة إصابة العامل إصابة عمل أو بمرض مهني دونما حاجة إلى إثبات خطأ صاحب العمل، بل وإنه في حالة وفاة العامل أو إصابته بعجز دائم نتيجة خطئه هو، فإن التزام صاحب العمل يبقى قائماً، هذا إذا كان العامل غير مشمول بالضمان الاجتماعي، فإن كان مشمولاً به، انتقل العبء من على كاهل صاحب العمل إلى كاهل المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.

المطلب الثالث : نظرية الضمان

"هذه النظرية تقيم المسؤولية المدنية بوجه عام على أساس الضمان لا على أساس الخطأ، ومؤداها أن المسؤولية المدنية ما دامت غايتها التعويض المدني لا العقوبة، يتعين النظر فيها إلى المضرور وما أصابه من ضرر هو غير مكلف قانوناً بتحمله، لا إلى الفاعل ومسلكه، فمتى ثبت أن المضرور قد أوذي في حق من حقوقه الرئيسة، كان المتسبب في الضرر مسؤولاً عنه بقطع النظر عن مسلكه ما دام هو ليس في حالة من الحالات التي يخولها فيه القانون المساس بحق غيره، وذلك لأن كل حق يقابله واجب يفرض على الكافة أن يحترموه، ولأن المساس بحق للغير فيه خرق للواجب المقابل لهذا الحق، وبالتالي فهو موجب للضمان بذاته دون حاجة إلى البحث في المسلك الذي أدى إليه، ما دام القانون لم يخوّل مرتكبه الحق في ارتكابه"(10)، وعلى ذلك فإنه إذا كان "للشخص أن يتصرف بحرية، إنما ينبغي أن يتقيد في تصرفه بالأنظمة وأن يحافظ على حقوق الآخرين، فإن أتى تصرفه ضاراً بالغير، فيكون قد أخل بحق الغير في استقراره، ويكون إلزامه بالتعويض نتيجة لهذا الإخلال، فالسائق يتمتع بحريته شرط أن يراعي الأنظمة وقواعد الحيطة، فإن سبب لشخص آخر ضرراً كان لهذا الشخص أن يتذرع بحقه في سلامة جسده وكان له الحق في التعويض عما أصابه.... فإن كان للشخص حق ذاتي في سلامة جسده وكيان أمواله، فإن النيل من هذا الحق يؤلف مصدراً للتعويض عن الضرر الذي وقع بفعل من نال من الحق أو هدره، سواء كان فعله خاطئاً أم غير خاطئ، وسواء تجلّى الفعل بتصرف شخصي من المسؤول و بدور لشيء استعمله"(11) وهكذا نجد أن هذه النظرية تركز على نتائج أفعال الشخص وليس على الشخص أو طبيعة سلوكه، فالإنسان في ظل هذه النظرية ضامن للضرر الذي يحصل للغير، وسواء حصل ذلك بفعل صدر عنه أو بدور لشيء تحت حراسته، وعلى ذلك تصحّ في ظل هذه النظرية مساءلة عديم التمييز مدنياً إذا أتى سلوكاً ضاراً بغيره، كما أن من يسلك سلوكاً ضمن القوانين والأنظمة، ضامناً مدنياً لأي ضرر يحصل للغير بفعل سلوكه هذا، فصاحب المصنع المرخص قانونياً، يظل مسؤولاً عن الضرر الذي يصيب الغير بفعل نشاطه الصناعي، هذا مع أن هذا النشاط مشروع من الناحية القانونية، وهكذا تتسع في ظل هذه النظرية مساحة المسؤولية المدنية للإنسان، "ومن هنا فقد أخذ على هذه النظرية أنها وإن صلحت لتوجيه المشرع نحو تنظيم جديد للمسؤولية المدنية، (إلا أنها) لا ترتكز على النصوص الحالية ولا تستقيم معها"(12).
"وخلاصة الأمر بعد كل ذلك أن الرأي الراجح في الفقه الفرنسي هو ذلك الذي يقيم المسؤولية عن فعل الشيء على أساس الخطأ، وذلك لتوافق ذلك مع روح التشريع الفرنسي والقوانين المستمدة منه، والتي يبدو من نصوصها أنها تجعل الخطأ الشخصي هو أساس المسؤولية، سواء كان خطأ واجب الإثبات أم خطأ مفترضاً"(13).

descriptionرد: الأساس القانوني للمسؤولية عن فعل الشيء في القانون المدني الأردني والفقه الإسلامي

more_horiz
المبحث الثاني
أساس نظرية المسؤولية عن فعل الشيء في الفقه الإسلامي

إن الباحث في الفقه الإسلامي سيجد أن النظرية الأساس التي ترتكز عليها أحكام ضمان العدوان (المسؤولية التقصيرية في الإصلاح القانوني المعاصر)، إنما هي نظرية المباشرة والتسبب، وبالتالي فإنه يتوجب على الباحث في الأساس القانوني لنظرية المسؤولية عن فعل الشيء، بل وفي الأساس القانوني لضمان العدوان في الفقه الإسلامي أن ينطلق من المباشرة والتسبب .

وتعني المباشرة : "إيجاد علة التلف، أي أنه ينسب إليه التلف في العرف والعادة كالقتل والإحراق، وبعبارة أخرى : المباشرة : أن يتصل فعل الإنسان بغيره ويحدث منه التلف كما لو جرح إنسان غيره أو ضربة فمات"(14)، وعرفته المادة (887) من مجلة الأحكام العدلية بأنه : "إتلاف الشيء بالذات". "وعلى ذلك فالمباشرة تعني : "ترتب الضرر عن الفعل دون واسطة بينهما وسواء كان ذلك على وجه التعمد أو الغفلة"(15)، أما التسبب فهو : "ما يحصل الهلاك عنده بعلّة أخرى، إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلّة"(16)، وعرّفته المجلة في المادة (888) بأنه : "أن يحدث في شيء ما يفضي عادة إلى تلف شيء آخر". فالتسبب إذن هو فعل يؤدي إلى الضرر مع تدخل واسطة بين الفعل والضرر، وبذلك يبدو واضحاً أن التركيز في نظرية المباشرة والتسبب إنما ينصب على الرابطة السببية بين الفعل الضار وبين الضرر المتحصل، بمعنى أنه إذا كان الفعل يفضي مباشرة إلى الضرر دون واسطة تتوسط بينهما فنحن أمام المباشرة، وإن كان هناك واسطة تتدخل بينهما فنحن أمام التسبب، إذ يبدو واضحاً أنه في المباشرة تكون الرابطة السببية واضحة للعيان فيما بين الفعل الضار والنتيجة بحيث أننا لا نكون بحاجة إلى إثبات، وذلك كأن يقوم شخص بطعن شخص آخر يخنجر أو أن يقطع شجرة له، في حين أن هذه الرابطة تكون غير واضحة في حالة التسبب بحيث أن إثباتها يحتاج إلى إعمال فكر وتدبر، وذلك لتدخل واسطة بين الفعل الضار وبين الضرر الحاصل، كأن يقوم شخص بحفر بئر فيقع فيه شخص آخر فيتضرر، إذ أن هناك واسطة تخللت بين واقعة حفر البئر وبين تضرر الشخص الذي وقع في البئر، وهي عملية إلقاء هذا الشخص في البئر – ومن هنا فإن عملية ربط حفر البئر بواقعة وقوع الشخص المتضرر فيه – تحتاج إلى إثبات لاحتمال أن يكون هناك فعل ما قطع الرابطة السببية بين واقعة حفر البئر (التسبب) وبين واقعة وقوع المتضرر في البئر وحصول الضرر تبعاً لذلك، ومن هنا وضع فقهاء الحنفيّة لا سيما المتقدمين منهم قاعدة فقهية رئيسة، ألا وهي : "المباشر ضامن وإن لم يتعمد والمتسبب لا يضمن إلا بالتعمد أو التعدي"(17)، وهذه القاعدة انتقلت إلى مجلة الأحكام العدلية بنفس الصيغة، فقد جاء في المادة (92) منها أن "المباشر ضامن وإن لم يتعمد، أما في المادة (93) فقد جاء أن "المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد". وقد انتقلت هذه القاعدة إلى القانون المدني الأردني أيضاً الذي وبعد أن نص في المادة (257/1) وجرياً وراء ما استقر عليه الفقه الإسلامي من أنه "يكون الإضرار بالمباشرة أو التسبب" فإنه في الفقرة الثانية من هذه المادة نصّ على أنه : "فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له، وإذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون مفضياً إلى الضرر" وقد فسرت المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني هذا الحكم بقولها : "وكلمتا "التعمد" و "التعدي" ليستا مترادفتين إذ المراد بالتعمد، تعمد الضرر لا تعمد الفعل، والمراد بالتعدي ألا يكون للفاعل حق في إجراء الفعل الذي حصل منه الضرر، والشخص قد يتعمد الفعل ولا يقصد به الضرر ولكن يقع الضرر نتيجة غير مقصودة، فإذا كان الإضرار (كالإتلاف) بالمباشرة لم يشترط التعمد ولا التعدي، وإذا كان بالتسبب اشترط التعمد أو التعدي"(18).
كما جاء فيها أيضاً: "ومرجع التفرقة في الحكم بين المباشرة والتسبب، أن المباشرة علة مستقلة، وسبب للإضرار بذاته فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد أو عدم التعدي، أما التسبب فليس بالعلة المستقلة فلزم أن يقترن العمل فيه بصفة التعمد أو التعدي ليكون موجباَ للضمان"(19).
ومؤدى هذه القاعدة إذن أن المباشر يضمن نتيجة فعله الضار في كل حال أي حتى لو لم يثبت صدور أي تعد أو تعمد منه في حين أن المتسبب لا يسأل إلا في حالة ثبوت تعمده أو تعديه، ولكن التطبيقات العملية في الفقه الحنفي لا تأخذ بهذا التفسير الصارم لها ، فقد أفتوا مثلاً في مسألة ضرب الدابة المستأجرة، "إن للمستأجر أن يضربها الضرب المعتاد في الوضع المعتاد إذا استند الضرب إلى سبب يبيحه وتقيد بالمتعارف، وبالتالي فلا يضمن الضرر الناتج عن ذلك(20)، ماذا يعني ذلك؟ أنه يعني أن المباشر لا يضمن إذا لم يتعمد أو يتعدّ، وهذا خرق للقاعدة الصارمة، التي تضمّنه في كل حال، وكذلك فقد أفتوا "أن راكب الدابة لا يضمن إن أصابت بيدها أو رجلها غباراً أو حجراً صغيراً، ففقأت عين إنسان أو أفسدته ثوبه"(21). وهو ما يعني أيضاً أن راكب الدابة (وهو مباشر لأن الدابة بالنسبة إليه كالآلة ففعلها ينسب إليه) لا يسأل لانتفاء تعديه في هذه الحالة إذ أن له أن يلاحظ الحجر الصغير أو الغبار فيجنب دابته ذلك؟ كما أن نظرية المباشرة بصورتها الصارمة التي ذكرناها قد يؤدي تطبيقها الحرفي إلى نتائج غير عادلة، ذلك أنه قد يفهم الباحث منها أن المباشر يسأل حتى لو كان الفعل الذي يترتب عليه الضر كان فعلاً مشروعا أتاه المباشر، ولكن في الحقيقة فإن التطبيقات الفقهية غير ذلك، فمثلاً أفتى الفقهاء بأنه لا مسؤولية على المباشر في حالة الدفاع المشروع، فمن "شهر على رجل سلاحاً ليلاً ونهاراً أو شرع عصا ليلاً في مصر أو نهاراً في طريق غير مصر، فقتله المشهور عليه عمداً فلا شيء عليه"(22). كما أن مجلة الأحكام العدلية، وبعد أن نصت على القاعدة بصيغتها الصارمة كما ذكرنا، تضمنت في نصوصها كثيراً من الحالات التي تربط مسؤولية المباشربالتعدي فمثلاً: نصت المادة (918) من المجلة على أنه : "إذا هدم أحد عقار غيره كالحانوت والدار بغير حق فصاحبه بالخيار إن شاء ترك انقاضه للهادم وضمنه قيمته مبينا وإن شاء حطّ من قيمته مبنياً قيمة الأنقاض وضمنه القيمة الباقية، وأخذ هو الأنقاض"، حيث يتضح من هذه المادة أن مسؤوليته منوطة بالتعدي "بغير حق" وعلى ذلك فإذا هدمه بحق لا يضمن، وكذلك في المادة (919) من المجلة بأنه "لو هدم أحد داراً بلا إذن صاحبها بسبب وقوع حريق في الحي وانقطع هناك الحريق، فإن كان قد هدمها بأمر ولي الأمر لا يلزم الضمان، وإن كان قد هدمها بنفسه يلزم الضمان"، حيث يجد الباحث من خلال هذه المادة أيضاً تعليق مسؤولية المباشر على التعدي (مباشر الهدم دون إذن شرعي) وفي المادة (920) منها، "لو قطع أحد أشجاراً في روضة غيره، بغير حق فصاحبها مخير إن شاء أخذ قيمة الأشجار قائمة وترك الأشجار المقطوعة للقاطع، وإن شاء حط من قيمتها قائمة قيمتها مقطوعة وأخذ المبلغ الباقي و الأشجار المقطوعة" إذ هنا أيضاً تعليق مسؤولية المباشر (قاطع الأشجار) على التعدي "أي أن يكون فعله بغير حق"، وكذلك في المادة (923) (إذا جفلت الدابة من صوت البندقية التي رماها الصياد بقصد الصيد فوقعت وتلفت أو انكسر أحد أعضائها لا يلزم الضمان، أو إذا رمى البندقية بقصد إجفالها يضمن "حيث نلاحظ هنا أن المجلة كانت وضاحة في أنه لا مسؤولية على مباشر إطلاق النار إذا كان غير متعمد في حين أنه يسأل إذا كان يقصد من إطلاق النار إجفال الدابة، وغير ذلك من التطبيقات والأمثلة، والتي تدل على أن الفقهاء قد علقوا مسؤولية المباشر على التعمد أو التعدي، بل إن المشرع الأردني نفسه وبعد أن نص على القاعدة بصيغتها الصارمة "المباشر ضامن ولا شرط له . فإنه قد عاد وأورد نصوصا تفيد إطلاق هذه القاعدة والتي يجب أن تفسر حسب القاعدة " حمل المطلق على المقيد" والمقررة في علم أصول الفقه الإسلامي(23) وذلك كالمادة (61) مدني أردني "الجواز الشرعي ينافي الضمان فمن استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يضمن ما ينشأ عن ذلك من ضرر" وكذلك المادة (292) والتي جاء فيها:" استعمال الحق العام مقيد بسلامة الغير فمن استعمل حقه العام وأضر بالغير ضرراً يمكن التحرز منه كان ضامناً" وقد جاء في المذكرات الإيضاحية للقانون المدني تعليقاً على هذا النص "لكل أحد حق المرور في الطريق العام مع حيوانه، بناءاً عليه لا يضمن المار راكباً على حيوانه في الطريق العام الضرر والخسارة اللذين لا يمكن التحرز عنهما، فمثلاً لو انتشر من رجل الدابة غبار أو طين ولوث ثياب الآخر أو رفست برجلها المؤخرة ولطمت بذيلها واضرت لا يلزم الضمان ولكن يضمن الراكب الضرر والخسارة الذي وقع في مصادمتها، أو لطمت بيدها أو رأسها لإمكان التحرز من ذلك"(24)، كما أن المشرع الأردني وفي المادة (261) مدني أردني قد أورد حكماً مفاده عدم مسؤولية المباشر أو المتسبب في حالة ما إذا قطعت الرابطة السببيّة بين فعل المباشر (أو فعل المتسبب) وبين الضرر الحاصل، كما أن المادة (262) مدني أردني قد نفت مسؤولية مرتكب الفعل الضار (مباشراً كان أو متسبباً) فيما إذا كان في حالة دفاع شرعي، كما أنه وبمقتضى المادة (263) مدني أردني تنتفي مسؤولية مرتكب الفعل الضار في حالة ما إذا كان موظفاً عاماً أقدم على فعله الضار تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيسه متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد أنها واجبة وأقام الدليل على اعتقاده بمشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنياً على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر. مكاذا نفهم من كل ذلك؟ نفهم أنه يمكن استخلاص قاعدة مقيدة لإطلاق القاعدة الرئيسة في ضمان المباشر مطلقاً، مؤداها أن المباشر لا يضمن إلاّ في حالة التعدي.
أما اشتراط المجلة العدلية بأن المتسبّب لا يضمن إلا بالتعمد والذي هو فعل الشيء بقصد الضرر"فهو خلاف ما يدل عليه واجب العناية بحقوق الغير في الشريعة، كما أنه يناقض الحكم بالضمان في كثير من الفروع الفقهية التي ذكرها علماء المذهب الحنفي أنفسهم، كما في ضمان الحداد الموقد للنار في ملكه..........وهناك احتمالان في تفسير سبب الوقوع في هذا الخطأ: أولهما متابعة خطأ كتابي وقع في الكتب السابقة كأشباه ابن نجيم التي وردت فيها القاعدة نفسها بلفظ (المباشر ضامن وإن لم يتعمد والمتسبب لا، إلا إذا كان متعمداً) ومع ذلك فقد تعاقب شراح المجلة على ترديد الخطأ نفسه، دون تقدير منهم لآثاره على مفهوم الضمان وتناقضه مع ما أوردوه من فروع، والثاني متابعة خطأ وقع فيه بعض المتقدمين في تفسير مذهب الإمام أبي حنيفة في تضمين المتسبب خاصة وأن إمام المذهب لا يرى تضمين المتسبب إلا في تلك الأحوال التي يبلغ فيها الخطأ من الجسامة مبلغاً يقربه من العمد، وسواء وقع هذا الخطأ مجاراة لخطأ كتابي أو علمي فإن هذه القاعدة تجب قراءتها على أن المتسبب لا يضمن إلا إذا كان متعدياً، طبقاً لما ورد في مجمع الضمانات"(25). على أن المشرع الأردني – وقد ذكرنا صياغة القاعدة فيه – لم يجار المجلة في هذا الخطأ وذلك باشتراطه التعدي أو التعمد ليصار إلى مساءلة المتسبب، وليس التعمد وحده .
خلاصة الأمر أن شرط المسؤولية في المباشرة والتسبب كليهما هو التعدي، غير أن الفقه الإسلامي قد صاغ قاعدة متفرّعة عن قاعدته الرئيسة في ضمان المباشر دون اشتراط التعدي وهي القاعدة التي تناقضها تطبيقاتهم العملية كما ذكرنا. أقول إن هذا الفقه صاغ قاعدة فرعية مفادها أنه : "إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم على المباشر" فهل معنى ذلك أن ما توصلنا إليه من استلزام التعدي في تقرير المسؤولية، يتوقف العمل به في حالة اجتماع المباشر والمتسبب، لنقرر مسؤولية المباشر وحده حتى لو كان غير متعد، والمتسبب هو المتعدي.
ولقد تسربت هذه القاعدة أيضاً إلى مجلة الأحكام العدلية والتي نصت في المادة (925) على أنه "إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر" ثم إلى القانون المدني الأردني وبالتحديد في المادة (258) التي نصت على أنه "إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر" وحقيقة الأمر أن تطبيق هذه القاعدة بصرامة لدى بعض الحنفية قد أدى إلى نتائج غير عادلة حيناً وغير منطقية حيناً آخر، "فقد أفتوا مثلاً بأنه إذا قام شخص بفتح ظرف فيه سمن جامد، ثم انصهر بعد وقت بفعل حرارة الشمس، فإنه لا يضمن لأنه برأيهم متسبب في حين أن المباشرة إلى الحرارة، وكذلك لو فتح شخص قفصاً فيه طائر، ثم بعد هنيهة طار الطائر فإنه لا يضمن، لأنه وإن كان متسبباً بفتح القفص، لكن المباشرة هنا هي لقيام الطائر بالطيران، وكذلك الأمر في حالة من حال رباط دابة غيره أو فتح باب اصطبلها فإنه لا يضمن لنفس السبب"(26)، غير أن أصحاب المذاهب الأخرى على غير هذا الرأي، ولذلك فقد افتنوا بمسؤولية فاتح الظرف، أو فاتح القفص أو من حل رباط دابة، أو فتح اصطبلها، باعتبار أنه متعد بالرغم من أنه المتسبب وليس المباشر(27)، ومن هنا ذهب هؤلاء إلى تضمين المتسبب وحده حتى مع اجتماعه بالمباشر، إذا كان المتسبب متعدياً، وتعذر تضمين المباشر لكونه غير مسؤول، أو غير موجود أو غير معروف، وذلك لكما لو دفع إنسان رجلاً على آخر فعطب الآخر، كان الضمان على الدافع (بالرغم من أنه المتسبب حسب الصياغة الفقهية) دون المباشر. وذلك لأن المدفوع كالآلة في الضمان أي أنه لا يمكن نسبة التعدّي إليه، كما قد يضمن المتسبب والمباشر معاً في بعض الحالات كما لو نخس شخص الدابة بأمر راكبها، هذا مع أن الراكب متسبب هنا والناخس مباشر(28). حيث يفهم من ذلك كله أن العبرة في ترتيب المسؤولية في حالة اجتماع المباشر والمتسبب في إحداث الضرر هي في ثبوت التعدي فمن ثبت تعديه كان مسؤولاً، فأما إن تعدّى الاثنان ضمناً معاً، أما إذا كان فعل المباشرة بحيث يقطع الرابطة السببية تماما ًبين المتسبب وبين الضرر فيكون المباشر ضامن وحده، وعلى هذا الأساس يتوجب فهم المادة (258) مدني أردني بهذا الصدد، فقد جاء في المذكرة الإيضاحية الأردنية تعزيزاً لهذا الرأي.
"إذا اجتمع المباشر أي عامل الشيء وفاعله بالذات مع المتسبب، وهو الفاعل للسبب المفضي لوقوع ذلك الشيء، ولم يكن السبب مما يؤدي إلى النتيجة السيئة، إذا هو لم يتبع بفعل فاعل آخر، يضاف الحكم الذي يترتب على الفعل إلى الفاعل المباشر دون المتسبب، وبعبارة مختصرة، يقدم المباشر في الضمان على المتسبب، والمباشر هو الذي يحصل التلف عن فعله دون أن يتخلل بينه وبين التلف فعل فاعل آخر، أما إذا كان السبب مما يفضي مباشرة إلى التلف فيرتب الحكم إلى المتسبب"(29).
وقد ضربت المذكرة الإيضاحية الأردنية أمثلة على ذلك ففي ضمان المباشر وحده جاء فيها : "لو حفر رجل بئراً في الطريق فألقى أحد الأشخاص حيوان في تلك البئر، ضمن الذي ألقى الحيوان ولا شيء على حافر البئر"(30)، وفي ضمان المتسبب وحده جاء فيها أنه "لو شق شخص زقاً مملوءاً زيتاً........ فتلف الزيت الذي فيه، فيرتب الضمان عليه وإن لم يخرج عن كونه متسبباً"(31).


وخلاصة الأمر إذن أن الفقه الإسلامي في التطبيق العملي يسمح لنا باستخلاص قاعدة مؤداها شرط الضمان في المباشرة أو التسبب هو التعدي وأنّه حيث لا تعد لا تترتب المسؤولية بصرف النظر عن المباشرة أو التسبب، وهذا ما خلص إليه المشرع العراقي بنصه في المادة (981) منه، على أنه :
1. إذا أتلف أحد مال غيره أو أنقص قيمته مباشرة أو تسبباً يكون ضامناً إذا كان في إحداثه هذا الضرر قد تعمد أو تعدى.
2. وإذا اجتمع المباشر والمتسبب ضمن المتعمد أو المتعدي منهما، فلو ضمناً كان متكافلين في الضمان.
ولذا فإنني وبناء على التحليل المتقدم، أؤيد من خلص إلى أن هذه القاعدة (أي قاعدة اشتراط التعدي في ترتيب المسؤولية عن الفعل الضار، وسواءً أكان مرتكب الفعل الضار مباشراً أو متسبباً)، هي القاعدة السائدة في الفقه الإسلامي في التطبيق العملي بالرغم من الصياغات الفقهيتة التي لا تتطابق معها ولا سيما تلك الصيغة التي تضمّن المباشر حتى لو لم يتعدّ أو تلك الصيغة التي تحمله المسؤولية وحده بصرف النظر عن تعمده أو تعديه في حالة اجتماعه مع المتسبب(32). كما أن هذه القاعدة هي التي يجب الأخذ بها في القانون المدني الأردني بالرغم من ظاهر نص المادتين (257) و (258 منه، وذلك أخذاً بقاعدة حمل المطلق على المقيد والتي أشرنا إليها آنفاً.



http://www.alexalaw.com
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى