تعتبر جريمة الاحتيال من القضايا الواقعة على الأموال سواء كانت هذه الأموال (منقولة أو غير منقولة) حيث يهدف الجاني من خلالها الى الوصول إلى كسب مادي او معنوي غير مشروع من المجني عليه باستخدام أسلوب احتيالي معين.

ولهذه الجريمة مميزات خاصة تميزها عن غيرها من القضايا، كون الجاني يرتكب جريمته بحضور المجني عليه وبعلمه وبرضاه، سواء بإبرام اتفاقية أو صفقة معينة مع المجني عليه بأسلوب احتيالي يستحوذ فيه الجاني على أموال المجني عليه مقابل هذا المشروع الوهمي الكاذب أو الحادثة التي لا حقيقة لها أو أن يتخذ الجاني اسما كاذبا أو صفة غير حقيقية فيحصل بضوئها على أموال أو إسناد تتضمن تعهداً أو إبراءً.

ومن ابرز الاسباب التي تؤدي الى نجاح الاشخاص المحتالين لاتمام جريمة الاحتيال وقيامها هو المجني عليه نفسه الذي سخر الامكانيات للفاعل وحرض الفضول في نفسه لارتكاب الجرم وساعده بطريقة غير مباشرة، كما ان المجني عليه في بعض الاحيان يتعلق بالجاني ويساهم في حمايته وافلاته من قبضة العدالة، الامر الذي يؤشر على انه اتى بفعل ايجابي لقيام الجريمة وساهم لاحقا في ان تكون العقوبة غير رادعة على الجاني وبالتالي يكرر هذا الشخص ارتكابه لفعلته ويعاود الكره مرةً اخرى.

وتهدف هذه الدراسة الى التعرف على دور المجني عليه ومساهمته في اتمام جريمة الاحتيال، ليس ذلك فقط بل وكيف يساهم كذلك في تكرار وقوع جرائم الاحتيال عليه وعلى غيره من المواطنين، وكذلك التركيز على الجوانب النفسية والثقافية المرتبطة بشخصية المجني عليه (الضحية) وكيف يمكن لبعض العادات الاجتماعية غير الصحيحة ان تساهم في اتمام جريمة الاحتيال في المجتمع بالشكل الذي يعطي المجال لمرتكبي هذا النوع من الجرائم لتكرار جرائمهم وباستمرار.

الأساليب الاحتيالية

المطلب الاول:ـ التعريف والإطار القانوني لجريمة الاحتيال.

أولاً: تعريف جريمة الاحتيال:-

عرف المشرع الاردني في قانون العقوبات المادة رقم(417) جريمة الاحتيال بأنها:- (كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً او غير منقول او اسناداً يتضمن تعهداً او إبراء، فاستولى عليه احتيالاً).

ثانياً:ـ كيف صنف القانون جرائم الاحتيال.

وفي المادة رقم (417) عدد المشرع الجزائي الطرق الاحتيالية التي هي على النحو التالي:.

استعمال طرق احتيالية من شأنها ايهام الناس بوجود مشروع كاذب او واقعة مزورة او احداث الامل في الحصول على ربح وهمي او تسديد المبلغ الذي اخذ بطريقة الاحتيال او ايهامهم بوجود سند دين غير صحيح او سند مزور.

التصرف في مال ثابت او منقول ليس للمحتال الحق في التصرف فيه.

ان يقوم المحتال بشراء او بيع عقار او ارض او سيارة او اية ممتلكات اخرى مملوكة للغير والتصرف بها كمالك بعد تزوير الاوراق والمستندات والوكالات الخاصة بتلك الممتلكات.

اتخاذ اسم كاذب او صفة غير صحيحة.

ان يعطي المحتال اسما غير اسمه الحقيقي او ان ينتحل صفة غيره كأن يدعي بانه طبيب او مهندس او ضابط شرطة او موظف حكومي ومن خلال هذا الادعاء يحصل على غاياته والاحتيال وأخذ المال بحجة الصفة التي ادعى بها مثل الجابي او موظف الكهرباء او مندوب جمعية يجمع التبرعات او ضابط شرطة ويقوم بتفتيش الاشخاص والمنازل ويسرق ما يقع تحت يديه.... وهكذا.

أركان جريمة الاحتيال

الركن القانوني للجريمة:.

الركن القانوني لجريمة الاحتيال هو عبارة عن نص التجريم والعقاب الوارد في القانون، ومن ثم المفهوم ان قانون العقوبات الاردني قد تناول جريمة الاحتيال في نصوص مواده (المادة 417) والتي عُدلت بالمادة (5) من نفس القانون المعدل رقم (9) لسنة 1988م، والتي تنص على أنه:.

كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً او غير منقول او اسناداً تتضمن تعهداً او ابراء فاستولى عليه احتيالاً عوقب بالحبس من ثلاثة اشهر الى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة دينار الى مائتي دينار.

يحكم بمثلي العقوبة المقضي بها اذا ارتكب الجرم في احدى الحالتين التاليتين:.

اذا كان مرتكب الجريمة ممن يتولون اصدار الاسهم او السندات او اية اوراق مالية اخرى متعلقة بشركة او بمشروع او بمؤسسة تجارية او صناعية.

اذا ارتكب الفعل بحجة تأمين وظيفة او عمل في ادارة عامة.

يطبق العقاب نفسه على الشروع في ارتكاب أي من الجنح المنصوص عليها في هذه المادة.

الركن المادي لجريمة الاحتيال

فعل الاحتيال

ان جريمة الاحتيال لا تقع الا على مال منقول او غير منقول مملوك للغير بنية حيازة هذا المال وحرمان صاحبه منه نهائياً كما في جريمتي السرقة وخيانة الامانة. الا ان جريمة الاحتيال بطبيعتها من الجرائم التي تقتضي دقة ومهارة من الفاعل الذي قد يلجأ الى وسائل عده من التفنن والتعقيد في اخراجها، بحيث ان المال في جريمة الاحتيال يسلم برضاء المجني عليه كما في خيانة الامانة، امام في السرقة فان سلب حيازة المنقول يكون بدون رضاء المالك او الحائز السابق، الا ان هناك اختلافاً جوهرياً ما بين جريمة الاحتيال وخيانة الامانة، وهو ان الاستيلاء على المال في جريمة الاحتيال يتم (برضاء معيب)نتيجة للخداع والتدليس الذي وقع فيه المجني عليه باتخاذ احدى وسائل الاحتيال. اما في خيانة الامانة فيتم تسليم المال بناءً على عقد من عقود الامانة التي بينها القانون، فيقوم الجاني وهو الحائز للمال (حيازة ناقصة) بناءً على العقد بتغيير نيته الى (حيازة تامة) بالتظاهر بمظهر المالك نتيجة اختلاسه للمال.

الركن المعنوي للجريمة

القصد الجنائي: إن جريمة الاحتيال هي جريمة عمدية ولا يمكن ان تقوم بالخطأ ولو كان الخطأ جسيماً وان الركن المعنوي لجريمة الاحتيال يقوم على القصد الجنائي والذي يقوم بدوره على عنصرين هما العلم وهو ما يسمى بالقصد العام والارادة وهو ما يسمى بالقصد الخاص.

العقوبة التي قررها القانون

ان العقوبة المقررة لجريمة الاحتيال التام كما وردت في قانون العقوبات الاردني المادة رقم 417 هي الحبس من ثلاثة اشهر الى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة دينار الى مائتي دينار.

أكثر الأساليب الاحتيالية شيوعاً

ان الاساليب الاحتيالية التي يستخدمها الجناه للايقاع بضحاياهم اصبحت معروفة للاجهزة الشرطية وهي وان اختلفت صورها واشكالها فهي تكاد تكون محصورة بصور معينة واساليب محددة سنأتي في هذا المبحث على شرحها وبيانها حسب الطريقة التي يتبعها الجناة وهي في الاغلب ضمن الاساليب التالية:.

الاحتيال بإنشاء المشاريع الوهمية

إن هذا الأسلوب الاحتيالي هو من أكثر الأساليب شيوعاً والذي يقوم على قيام المحتال بإقناع المجني عليه أن هناك مشروعا ينوي عمله وان مردوده الربحي وفير وما أن يبدأ بسحب الأموال من الضحية لغايات تأسيس المشروع وعند الانتهاء من ذلك يبدأ بالمماطلة ثم الغياب عن الأنظار.

الاحتيال بتأمين فيز السفر وعقود العمل

هناك بعض الأشخاص يقومون بفتح مكاتب لهذه الغاية والإعلان عن مقدرتهم بتأمين فيز السفر وعقود العمل في الخارج وما ان تصلهم الردود حتى يبدأوا بجمع الأموال ثم بعد ذلك يغلق المكتب ويتوارى عن الانظار.

الاحتيال بأسلوب الوعد بالزواج

هو قيام المحتال بالتعرف على الفتيات مدعياً نيته في التعرف اليهن بقصد الزواج والاستيلاء على أموالهن بطرق الخداع وما ان ينتهي من اخذ جميع اموالهن حتى يبادر الى تركهن.

الاحتيال بأسلوب الذهب المقلد

يقوم شخص او مجموعة من الاشخاص باقناع الشخص المستهدف بالاحتيال بأن هناك ذهبا قديما مدفونا في باطن الارض بحاجة لاستخراجه وان هذه العملية تكلف مبالغ مالية مرتفعة لا يستطيع تأمينها ويبحث عمن يستطيع ذلك، حينها يطمع المجني عليه أملا في الربح ويقع نتيجةً لذلك ضحية في حبائل المحتال.

الاحتيال بأسلوب الساعات المقلدة:.

يقوم شخص او مجموعة من الاشخاص وذلك بالاتفاق فيما بينهم والتواجد غالباً في المجمعات وامام البنوك وعرض ساعات مقلدة على انها ساعات اصلية لماركات عالمية ويدعون بانها تساوي مبالغ عالية وانهم بحاجة الى بيعها سريعاً للحصول على المال لغايات العلاج وغيرها ويبيعون هذه الساعات باثمان عالية وهي في الحقيقه لا تساوي بضعةً من الدنانير.

الاحتيال بأسلوب ادعاء التعرض لحوادث السير

يقوم بعض المحتالين في التعرض للسيارات وايهام سائقيها انهم تعرضوا للاذى نتيجة الارتطام بالسيارة ثم الادعاء بان جزءا من جسمه قد كسر فيتدخل بعضهم ويقوم بمفاوضة السائق وابتزازه لدفع المال وإنهاء الحادث بعيداً عن انظار الشرطة.

الاحتيال بالعملات الملغاة

يلجأ بعض الاشخاص ممن يحوزون على عملات عربية او اجنبية ملغاة الى محاولة تصريفها للسوق وباثمان اقل بكثير من قيمها الحقيقية بعرضها على الناس لغايات صرفها بأثمان أقل او دفعها للتجار مقابل بضاعة يحوزون عليها نتيجة لذلك.

الاحتيال بانتحال صفة موظف عام

يقوم هذا الاسلوب على ان يدعي المحتال انه موظف عام في احدى الوزارات او الدوائر الحكومية ويستغل ذلك في الايقاع بالمواطنين ولان الصفة التي يدعيها المحتال في هذه الحالة ثقة لدى الناس فيستغلها بالاستيلاء على اموالهم موهمهم انهم يدفعون اموالا تستوجب الدفع كالرسوم وما شابهها.

الاحتيال باتخاذ صفة رجل أمن عام (بحث جنائي):.

يقوم بعض الاشخاص من المشبوهين بالتظاهر والادعاء بانهم رجال أمن عام/ بحث جنائي ويقومون بتفتيش الاشخاص او المنازل وسرقة ممتلكات المواطنين بحجة التفتيش.

الاحتيال عن طريق بيع وشراء الاراضي والعقارات

يقوم هذا الاسلوب من الاحتيال على أساس ادعاء الشخص المحتال ملكيته للارض او العقار وتحضير كل ما من شأنه ايهام المشتري بصحة ادعائه وعرض هذه الارض او العقار للبيع.

وهناك شكلان للاحتيال بهذا الاسلوب الاول منه تزوير العقود الخاصة بالارض او احضار وكالة عدلية غير قابلة للعزل مزورة او احضار الوثيقة الخاصة بمالك الارض او العقار ووضع صورة المحتال عليها واتمام عملية البيع بهذا الاسلوب، والشكل الثاني هو قيام مالك الارض نفسه او احد الوسطاء بعرض الارض او العقار للبيع وعند الكشف الحسي عليه يكون البائع قد رأى عقاراً او ارضاً اخرى في موقع اخر.

الاحتيال بواسطة الشعـوذة

ان الاحتيال باسلوب ممارسة الشعوذة هو الحصول على مال الغير بطرق الغش والخداع، وايهام المجني عليه بالقدرة على تلبية الحاجات في العلاج من الأمراض المختلفة، أو العلم بالغيب وكشف المستور، وذلك باستخدام طرق وأساليب احتيالية مضللة.

ويمتاز المشعوذ بأنه إنسان محتال وذكي يلجأ إلى مخاطبة الناس بفطرتهم وبطرق مقنعة أبرزها القرآن الكريم مستغلاً حاجاتهم وموروثاتهم الثقافية المتوارثة عن الأجداد الذين انحدروا من المجتمعات العربية الشرقية المسلمة بالفطرة والتي تتمتع بالصفاء والطيبة، كما يستغل بعض المحتالين قبول المجتمع العام وتسليمه بفعالية القرآن في العلاج، حيث يلجؤون إلى استخدامه كطعم في الإيقاع بالناس والاستيلاء على أموالهم.

العوامل المساعدة في جريمة الاحتيال

صفات المحتالين وضحايا الاحتيال:.

أولاً: صفات المحتالين.

أما الصفات الخاصة التي يمتاز بها المحتالون والتي تساعدهم على سهولة ودقة تنفيذهم لجرائمهم الاحتيالية فهي على النحو التالي:-

يتسم المحتال دائماً بالمكر والخداع ويخطط لكل عملية يقوم بها.

الحذر الشديد وكثرة الشك بالمحيطين به وهذا ما يساعده على تنفيذ جريمته بنجاح.

القدرة العالية على الاقناع وحسن التصرف في الوقت المناسب.

حُسن اختيار الضحية وهذا ما يساعده على قدرته على استدارج الضحية والايقاع بها.

يمتاز المحتال دائما بقدرته على عدم الاستحياء وعدم الخجل وهذا مما يساعده على الدخول بعلاقة مع الضحية بكل سهولة.

صفات ضحايا الاحتيال

ان اختيار ضحايا الاحتيال من قبل الجناة كهدف للجريمة لا يتم بصورة عشوائية بل تساهم عدة عوامل منها اجتماعية ومنها بيئية ومنها عوامل شخصية مكتسبة تشكل في مجملها عوامل جذب للجاني وبالتالي ارتكاب الجريمة، كما ان سلوك المجني عليه المثير للجريمة والمحرض او المتحرش بالمجرم يلعب دوراً بارزاً بل يتعدى الامر الى ان يكون المجني عليه نفسه هو من يحاول حمايته وتكاد تكون صفات ضحايا الاحتيال تتمحور حول ما يلي:.

الطمع المتمثل في الرغبة والسعي إلى الحصول على الكسب والغنى السريع والاهتمام الزائد بالحصول على الاشياء الثمينة، فاغلب قضايا الاحتيال التي تقع مردها ان المجني عليه يكون طامعاً بحيث يسهل جداً على المحتال ان يوقعه بحباله بصورة سلسة.

الضعف البيولوجي وقلة الادراك حيث يتسم بعض ضحايا الاحتيال بضحالة التجربة الحياتية ويتسمون كذلك بضعف الادراك لانهم لم يتعرضوا لتجارب سابقة صقلت شخصياتهم، الامر الذي يوقعهم ضحايا في جرائم الاحتيال عند المقابلة الاولى للجاني.
عمان - الدستور