انخفاض أسعار النفط يشل طموحات إيران التوسعية ويجبرها على تقديم تنازلات في سياستها الخارجية





في يناير/شباط الماضي كشف قاسم سليماني، قائد فليق القدس التابع للحرس الثوري، في كلمة مهمة بمناسبة ذكرى انتصار ثورة 1979 الإيرانية، عن أبعاد خطيرة للمشروع التوسعي الإيراني وأداته الطائفية، وقال «إحياء مرجعية إيران لدى الشيعة ازدادت من قدرة إيران في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، ومرجعية إيران السياسية للتشيع أعطت الإيرانيين مفهوما جديدا من القومية، وفي المقابل ساعدت الشيعة للحصول على هوية جديدة». هذا صحيح تماماً ان يقول البعض ان «الهلال الشيعي ليس هلالاً سياسياً، بل هو هلال اقتصادي»، وأهم شيء في اقتصاد العالم هو النفط. نحن نعرف ان إيران والعراق والمملكة العربية السعودية لديها ما يقارب 70 في المئة من احتياطي النفط في العالم، وتقع كل هذه الـ70 في المئة في المناطق الشيعية.
وتجدر الإشارة إلى انه حسب إحصائيات وزارة النفط الإيرانية، فإن 86 في المئة من احتياطي النفط وأكثر من 60 في المئة من احتياطي الغاز الإيراني في إقليم الأحواز العربي.
وهذه التصريحات الشفافة لقائد فيلق القدس ترسم صورة واضحة تماماً من مستوى تعويل النظام الإيراني على ثروة النفط لتنفيذ مشروعه التوسعي، ووفقاً لذلك، يمكن تحليل وقراءة الخطط والاستراتيجية المستقبلية الإيرانية بشكل دقيق. وقد استخدمت إيران سيطرتها على مضيق باب السلام (هرمز) كأداة ضغط على دول الخليج العربي وعملية تصدير النفط إلى دول العالم بشكل مستمر، ومن جهة أخرى يدفع النظام الإيراني بمشروعه الطموح واستراتيجيته التوسعية لبسط نفوذه على المناطق الغنية بمصادر الطاقة، وبدعم مباشر من بعض الدول الغربية وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية.
كما تظهر سياسات إيران في العقود الأخيرة والإشارات الصريحة لقاسم سليماني ان استراتيجية النظام الإيراني لتوسيع دائرة نفوذه في الوطن العربي تتمحور حول إثارة الفتن الطائفية وتأجيج الاختلافات المحلية بين المسلمين، وما أقدمت عليه إيران في العراق سوريا ولبنان هو خير دليل على ذلك.
وزاوية حساسة وخطيرة أخرى من المشروع التوسعي الإيراني التي لم تلفت انتباه المحللين حتى الآن بشكل كبير، هي ان إيران تحاول عبر استمرار الأزمات في العراق وسوريا ان تمنع إنشاء خطوط أنابيب تصدير الغاز من دول الخليج العربي، وعلى وجه الخصوص قطر إلى أوروبا، فضلاً عن بسط سيطرتها إلى شواطئ البحر المتوسط وإبعاد التوتر والصراعات عن أراضيها.
وبفضل ارتفاع ملحوظ لأسعار النفط خلال السنوات الماضية كانت عائدات إيران من مبيعات النفط خلال فترة حكومة أحمدي نجاد أكثر من إجمالي مبيعات النفط خلال فترة 100 عام قبلها، حسب تصريحات مسؤولي الحكومة الإيرانية. وبسبب تلك الأرباح النفطية الهائلة تمكنت إيران ان تدفع بمشروعها التوسعي من العراق وسوريا مرورا باليمن والصومال وتنزانيا، وصولاً إلى نيجيريا بشكل أكبر وأسرع. ولكن خسرت إيران أكثر من 45 في المئة من عائداتها السنوية لمبيعات النفط خلال السنتين الماضيتين بسبب العقوبات الغربية. وبدأ هبوط أسعار النفط منذ ما يقارب 5 أشهر، وانخفاض 30 دولارا في سعره خلال الأسابيع القليلة الماضية رفع من مستوى القلق والمخاوف لدى صنّاع القرار والساسة في إيران بشكل كبير، بحيث عقدت الحكومة واللجنة الاقتصادية لمجلس النواب عدة جلسات لدراسة تأثير انخفاض سعر النفط على الاقتصاد وعجز الميزانية والحلول الممكنة لمواجهتها.
وتم محاسبة 100 دولار لكل برميل النفط في ميزانية إيران للعام الحالي، لكن تظهر تقديرات الخبراء ونسبة التضخم ان الاقتصاد الإيراني سيواجه عجزا في الميزانية لأسعار أقل من 126 دولاراً لكل برميل من النفط. وأفادت مجلة «إيكونوميست» البريطانية ان روسيا وإيران وفنزويلا ستتضرر من انخفاض أسعار النفط إلى أقل من 100 دولار، والأسعار المطلوبة هي لروسيا 100 ولفنزويلا 120 ولإيران 140 دولارا لكل برميل، وفي حال هبوط أسعار النفط إلى مستويات أقل من تلك فستواجه هذه الدول عجزا كبيرا في ميزانيتها.
وانخفاض أسعار نفط إيران إلى أقل من 82 دولارا لكل برميل خلال الأيام الأخيرة سبب انتقادات غير مسبوقة للمملكة العربية السعودية من قبل محمد باقر نوبخت، المتحدث باسم حكومة حسن روحاني، وقال، «يحاولون ان يضغطوا علينا، وللأسف بعض دول المنطقة التي تعتبر نفسها إسلامية تتعاون مع الأعداء لتخفيض سعر النفط. وسببت الديكتاتورية العالمية بانخفاض إنتاج إيران من النفط من 4 ملايين برميل إلى مليون برميل يومياً فقط».
وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، أشار توماس فريدمان، المحلل الأمريكي البارز، في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز» إلى وجود صفقة أمريكية سعودية بشأن أسعار النفط، وأكد على بدء نوع من الحرب النفطية بغرض إفلاس اقتصاد إيران وروسيا.
وتمنع العقوبات الاقتصادية الغربية إيران من تطوير البنية التحتية لمنشآت إنتاج النفط في الظروف الراهنة الحالية لتمكنها من زيادة إنتاج وتصدير النفط، ونظراً للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها إيران وعدم تمكنها من بيع كميات أكثر من النفط سيواجه اقتصادها خطر الانهيار، إذا استمرت أسعار النفط بالانخفاض لفترة طويلة. وستجبر الحكومة الإيرانية على اتخاذ خطوات ومجازفات خطيرة ومنها رفع أكثر لأسعار السلع والخدمات التي ستعرض النظام الإيراني إلى خطر اندلاع احتجاجات شعبية بسبب عدم تمكن شريحة واسعة من الشعب الإيراني على توفير تكلفة المعيشة اليومية. وكما يبدو ان إيران تخطط لتسعير نفطها الخام في ميزانيتها للعام المقبل 70 دولاراً لكل برميل، وهذا يعني المزيد من ارتفاع أسعار السلع والخدمات وارتفاع التكاليف المعيشية.
واستمرار هبوط أسعار النفط سيرغم إيران على بعض التنازلات في سياستها الخارجية وسيضعف موقف إيران ويقلل من خياراتها بشكل كبير في المفاوضات النووية التي بلغت مراحلها الحساسة والنهائية، وتحقيق هذه التغييرات والتنازلات المحتملة في سياسات إيران الخارجية سيزيد من احتمال التوصل إلى اتفاق نووي. ودون شك ان رفع العقوبات الاقتصادية ضد إيران بسبب هذا الاتفاق وازدياد تصدير النفط الإيراني سيسبب انخفاضا أكثر لأسعار النفط.


محمد المذحجي
القدس العربي