هل توجد مافيات في عمّان؟!





كلٌ منّا معرّض لما حدث مع والد إسلام، الفتاة ذات الأربعة عشر ربيعاً، حينما كان يقلّها بسيارته، في طريق العودة من المدرسة، حيث تفاجأ بعيارٍ ناريّ طائش من شاب مراهق يخترق رأسها، لترقد حالياً في حالة "موتٍ سريري"!
الحادثة وقعت في حيّ نزال، وما يزال التحقيق مستمراً للتأكد من الفاعل. لكن مواطنين في هذا الحيّ يشيرون إلى انتشار السلاح بيد بلطجية، بعضهم يتعاطى المخدرات، وأغلبهم من أصحاب السوابق الإجرامية المعروفين، يثيرون القلق لدى الأهالي من دون وجود رقابة أمنية مشدّدة مستمرة عليهم للحدّ من خطورتهم على المجتمع.
وصل الأمر، كما يقول مواطنون، أن يأخذ هؤلاء أتاوات من أصحاب المحال التجارية. وبعض هؤلاء معروفون لدى رجال الأمن، بل وأصبحت لديهم ثروات وأموال من وراء البلطجة، وشبكة التحالفات التي يقيمونها ويستثمرون فيها امتلاكهم لمافيات، فيوقعون عقوداً مع مؤسسات لحمايتها، وبعبارةٍ أدق لعدم مهاجمتها!
تشير هذه الروايات إلى أنّ أصحاب المحالّ التجارية يفسرون الصمت على هذه الظاهرة بأنّ الأمن يطالبهم بالتقدم بشكاوى بحق هذه المجموعات، ويردّون بأنّ الكلفة التي قد يدفعونها بالاعتداء عليهم وعلى مصالحهم قد تكون كبيرة، ما يجعل من دفع الأتاوات مسألة أقل ضرراً!
ثمّة جوانب أخرى لهذه الروايات، وربما لدى المسؤولين والأمن تفسيرات مختلفة. لكن ما أرجوه هو ألا نقف عند حدود "الإنكار" أو التهوين، كما يحدث عادةً؛ فهناك العديد من الروايات المتشابهة. في المقابل، يسارع نواب إلى إطلاق سراح أفراد هذه المافيات حين يسجنون، ويتوسّطون لهم في الدولة كي لا ينالوا عقوبتهم، ومن الضروري أن يتم تسريب أسماء هؤلاء النواب وفضحهم على رؤوس الأشهاد، فهم أخطر على المجتمع من تلك العصابات!
وإذا كنّا نتحدث عن هيبة الدولة والقانون والأمن، فما يزال الطفل يزيد الزامل ابن الـ11 عاماً هو الآخر في حالة خطرة في المستشفى، بعدما أصيب بعيارٍ ناري طائش. وكما يقول الأطباء المتابعون، فقد أصبحت حالات الإصابة بعيارات نارية أو ألعاب نارية ظاهرة يومية، تؤدي إلى كوارث اجتماعية.
لا تستطيع أجهزة الأمن أن تضع شرطياً أو رقيباً أمام كل حفل زفاف أو مناسبة اجتماعية في عمّان والمحافظات الأخرى، لكنّ الحكومة تستطيع أن تشدد من العقوبات في التشريعات والقوانين، أو حتى تتشدد في تطبيق القانون والعقوبات على المخالفين في هذه المناسبات الاجتماعية، بالتوازي والتزامن مع حملات إعلامية وخطاب رسمي صارم واضح لوضع حدّ لهذه الظاهرة.
كما تستطيع الحكومة الاعتماد على الإحصاءات والأرقام التي تصل إليها من المستشفيات عن الأماكن التي تشهد إصابات أكثر بالأعيرة النارية، لتعزيز حملات الرقابة والمساءلة والملاحقة. ومثل هذه الحملات نجحت قبل أعوام في الحدّ من ظاهرة إطلاق الرصاص والألعاب النارية الخطرة، بينما اليوم هناك محال تجارية تقوم ببيع هذه الألعاب الخطرة بصورة علنية بلا حسيب أو رقيب!
آن الأوان كي تعيد الدولة النظر في مقاربتها الأمنية تجاه المطلوبين وأصحاب السوابق، لإيجاد آليات رقابة مشددة أكبر عليهم، ومتابعتهم بصورة دورية ومبرمجة؛ وفي الحدّ من ظاهرة انتشار السلاح واقتنائه، إذ أصبحت أمراً مقلقاً ومرعباً لكثير من المواطنين، وهي أحد أهم عناوين ومؤشرات هيبة الدولة وقوتها أو ضعفها!
ثمة تراجع في أرقام بعض الظواهر، مثل سرقة السيارات؛ وهناك حملات أمنية في بعض المناطق ضد المطلوبين والمسجلين مجرمين خطرين، والأمن يقوم بأدوار مشكورة وكبيرة، لكنّ ما هو مطلوب يتجاوز ذلك إلى برنامج وطني مدعوم سياسياً وإعلامياً وثقافياً، لأنّ هذه الظواهر أصبحت تهديداً حقيقياً للأمن المجتمعي! عمان نيوز